سرية نجد
قيل: إنها كانت في المحرم سنة ست
قال الليث بن سعد: حدثني سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما عندك؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان من الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال: أطلقوه. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت يا ثمامة. قال: لا، ولكني أسلمت، فوالله لا يأتيكم من اليمامة حبة حتى يأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . متفق عليه، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عبد الحميد بن جعفر عن المقبري، به.
وخالفهما محمد بن إسحاق، فيما روى يونس بن بكير عنه: حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: كان إسلام ثمامة بن أثال أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا الله حين عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما عرض له وهو مشرك، فأراد [جـ١، صـ٢٣٤] 📖 قتله، فأقبل معتمرا حتى دخل المدينة، فتحير فيها حتى أخذ، فأتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد. وفيه: وإن تسأل مالا تعطه.
قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: ما نصنع بدم ثمامة؟ والله لأكله من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دمه.
قلت: وهذا يدل على أن إسلام ثمامة كان بعد إسلام أبي هريرة، وهو في سنة سبع. فذكر الحديث، وفيه: فانصرف من مكة إلى اليمامة، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام. وكانت اليمامة ريف مكة. قال: فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفيها: كان من السرايا - على ما زعم الواقدي - : قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ربيع الأول أو الآخر عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر. وفيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب. فأسرعوا، ونذر بهم القوم وهربوا. فنزل عكاشة على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعير، فساقوها إلى المدينة.
وقال: وفيها بعث سرية أبي عبيدة إلى القصة، في أربعين رجلا، فساروا ليلهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح. فأغار عليهم وأعجزهم هربا في الجبال. وأصابوا رجلا فأسلم. وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن مسلمة في عشرة، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلا بالقوم. فقتل أصحاب محمد، وأفلت هو جريحا. [جـ١، صـ٢٣٥] 📖
قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم. فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم على مكان فأصابوا مواشي وأسراء، منهم زوجها. فوهبها النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسها وزوجها.
وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الطرف، إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا. فهربت الأعراب وخافوا، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا. وغاب أربع ليال.
وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص، في جمادى الأولى، وأخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص، فاستجار بزينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجارته.
وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أقبل دحية الكلبي من عند قيصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كان بحسمى، فلقيه ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق وسلبوه. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيد بن حارثة إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى وكانت في جمادى الآخرة.
ثم سرية زيد إلى وادي القرى في رجب.
ثم قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة قال: خرج علي - رضي الله عنه - في مائة إلى فدك إلى حي من بني سعد بن بكر. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه عنهم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر. فسار إليهم الليل وكمن النهار، وأصاب عينا فأقر له أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. [جـ١، صـ٢٣٦] 📖
قال الواقدي: وذلك في شعبان.
وكانت غزوة أم قرفة في رمضان سار إليها زيد بن حارثة لأنها كانت تؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره الواقدي.
قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم. فأسلم القوم، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ - والدة أبي سلمة - وكان أبوها ملكهم.
وفي شوال كانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذي قتلوا راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الإبل. فبعثه في عشرين فارسا وراءهم.
وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطا من عكل وعرينة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا أناس من أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذود وزاد، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا في ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا وهم كذلك.
قال قتادة: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» الآية. قال قتادة: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحث في خطبته بعد ذلك على الصدقة وينهى عن المثلة. متفق عليه.
وفي بعض طرقه: من عكل، أو عرينة.
ورواه شعبة، وهمام، وغيرهما، عن قتادة فقال: من عرينة، من غير شك. [جـ١، صـ٢٣٧] 📖 وكذلك قال حميد، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس.
وقال زهير: حدثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس: أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم - وهو البرسام - فقالوا: هذا الوجع قد وقع يا رسول الله، فلو أذنت لنا فرحنا إلى الإبل. قال: نعم، فاخرجوا وكونوا فيها. فخرجوا، فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل. وجاء الآخر وقد جرح، قال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم. فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم. أخرجه مسلم.
وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم رهط من عكل فأسلموا فاجتووا الأرض، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أتي بهم، فأمر بمسامير فأحميت لهم، فكواهم وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يحسمهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. أخرجه البخاري.