ذكر الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى
قال موسى بن عقبة، عن الزهري: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قبل الهجرة بسنة.
وكذا قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة.
وقال أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي بن زبريق، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي محمد بن الوليد، قال: حدثنا الوليد بن عبد الرحمن، أن جبير بن نفير قال: حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما، فأتاني جبريل بدابة بيضاء، فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب، فاستصعب علي، فرازها بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، حتى بلغنا أرضا ذات نخل، فأنزلني فقال: صل، فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بيثرب، صليت بطيبة، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا، فقال: انزل فصل، ففعلت، ثم ركبنا. قال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بمدين عند شجرة موسى عليه السلام. ثم انطلقت تهوي بنا [جـ١، صـ٦١٦] 📖 يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال: انزل، فصليت وركبنا. فقال لي: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين لبن وعسل، أرسل إلي بهما جميعا، فعدلت بينهما، ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن، فشربت حتى قرعت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثراة له، فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي. قلت: يا رسول الله، كيف وجدتها؟ قال: مثل الحمأة السخنة، ثم انصرف بي، فمررنا بعير لقريش، بمكان كذا وكذا، قد ضلوا بعيرا لهم، قد جمعه فلان، فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر فقال: أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك؟ قلت: علمت أني أتيت بيت المقدس الليلة؟ فقال: يا رسول الله إنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه، قال: أشهد أنك رسول الله.
فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة، فقال: إني مررت بعير لكم، بمكان كذا، وقد أضلوا بعيرا لهم، فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا، ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا، يقدمهم جمل آدم، عليه مسح أسود، وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم، أشرف الناس ينظرون حتى كان قريب من نصف النهار، حين أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل.
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
قلت: ابن زبريق تكلم فيه النسائي. وقال أبو حاتم: شيخ.
قال حماد بن سلمة: حدثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن [جـ١، صـ٦١٧] 📖 ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أتيت بالبراق فركبته خلف جبريل، فسار بنا، فكان إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه، فسار بنا في أرض فيحاء طيبة، فأتينا على رجل قائم يصلي، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: أخوك محمد، فرحب ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر، ثم سار فذكر أنه مر على موسى وعيسى، قال: ثم أتينا على مصابيح فقلت: ما هذا؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم، تحب أن تدنو منها؟ قلت: نعم، فدنونا منها، فرحب بي، ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، ونشر لي الأنبياء من سمى الله ومن لم يسم، وصليت بهم إلا هؤلاء النفر الثلاثة: موسى، وعيسى، وإبراهيم، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فقربت لي الأنبياء، من سمى الله منهم، ومن لم يسم، فصليت بهم.
هذا حديث غريب، وأبو حمزة هو ميمون. ضعف.
وقال يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. متفق عليه.
قرأت على القاضي سليمان بن حمزة، أخبركم محمد بن عبد الواحد الحافظ، قال: أخبرنا الفضل بن الحسين، قال: أخبرنا علي بن الحسن الموازيني، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يوسف القاضي، قال: أخبرنا أبو يعلى التميمي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الوساوسي، قال: حدثنا ضمرة، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلس وأنا على فراشي فقال: «شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتى جبريل فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، فوق [جـ١، صـ٦١٨] 📖 الحمار، ودون البغل، مضطرب الأذنين، فركبته، وكان يضع حافره مد بصره، إذا أخذ بي في هبوط طالت يداه، وقصرت رجلاه، وإذا أخذ بي في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه، وجبريل لا يفوتني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها، فنشر لي رهط من الأنبياء، فيهم إبراهيم، وموسى، وعيسى، فصليت بهم وكلمتهم، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شربت اللبن وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدت أمتك، ثم ركبته إلى المسجد الحرام، فصليت به الغداة». قالت: فتعلقت بردائه وقلت: أنشدك الله يا ابن عم أن تحدث بهذا قريشا فيكذبك من صدقك، فضرب بيده على ردائه فانتزعه من يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عكنه فوق إزاره وكأنه طي القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده، كاد يختطف بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي نبعة: ويحك اتبعيه فانظري، فلما رجعت أخبرتني أنه انتهى إلى قريش في الحطيم، فيهم المطعم بن عدي، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقص عليهم مسراه، فقال عمرو كالمستهزئ: صفهم لي، قال: أما عيسى ففوق الربعة، عريض الصدر، ظاهر الدم، جعد الشعر، تعلوه صهبة، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، وأما موسى فضخم، آدم، طوال، كأنه من رجال شنوءة، كثير الشعر، غائر العينين، متراكب الأسنان، مقلص الشفتين، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم، فوالله لأشبه الناس بي خلقا وخلقا، فضجوا وأعظموا ذلك، فقال المطعم: كل أمرك كان قبل اليوم أمما، غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب! نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهرا، أتيته في ليلة!.
وذكر باقي الحديث، وهو حديث غريب، والوساوسي ضعيف تفرد به.
وقال مسلم: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا حجين بن المثنى، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في [جـ١، صـ٦١٩] 📖 الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي، أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام.
وقد رواه أبو سلمة أيضا، عن جابر مختصرا.
قال الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدث، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه». أخرجاه.
وقال إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: سمعت ابن المسيب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم، وموسى، وعيسى، ثم أخبر أنه أسري به، فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه. وذكر الحديث، وهذا مرسل.
وقال محمد بن كثير المصيصي: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن آمن، وسعوا إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه! قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء [جـ١، صـ٦٢٠] 📖 في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
وقال معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، سمع أنسا يقول: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره. وذكر الحديث.
وقال عبد العزيز بن عمران بن مقلاص الفقيه، ويونس، وغيرهما: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، فكأنها أمرت ذنبها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فوالله إن ركبك مثله، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: «ما هذه يا جبريل؟» قال له: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير. فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال جبريل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقيه خلق من الخلق، فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فرد السلام، فانتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء، والخمر، واللبن، فتناول اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت أمتك وغرقت، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك، ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، ثم قال له جبريل: أما العجوز فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه ، فذاك عدو الله إبليس، أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى.
أنبئنا عن ابن كليب عن ابن بيان، قال: أخبرنا بشر ابن القاضي، قال: حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن [جـ١، صـ٦٢١] 📖 قتيبة، قال: حدثنا أبو عمر ابن النحاس، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: رؤي عبادة بن الصامت على حائط بيت المقدس يبكي فقيل: ما يبكيك؟ فقال: من هاهنا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى ملكا يقلب جمرا كالقطف. إسناده جيد.
وقال النضر بن شميل، وروح، وغندر: أخبرنا عوف، قال: حدثنا زرارة بن أوفى قال: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كانت ليلة أسري بي، ثم أصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعلمت بأن الناس يكذبوني، قال: فقعد معتزلا حزينا، فمر به أبو جهل، فجاء فجلس فقال كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: ما هو؟ قال: إني أسري بي الليلة»، قال: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس»، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا! قال: نعم، قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث، فدعا قومه، فقال: أرأيت إن دعوت إليك قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ قال: نعم. فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم، فانتقضت المجالس، فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدثهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أسري بي الليلة»، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس»، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرينا! قال: نعم، قال: فمن بين مصفر وواضع يده على رأسه مستعجب للكذب - زعم - قال: وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فذهبت أنعت، فما زلت حتى التبس علي بعض النعت، قال: فجيء بالمسجد حتى وضع دون دار عقيل أو عقال. قال: فنعته وأنا أنظر إليه»، فقالوا: أما النعت فقد والله أصاب. ورواه هوذة عن عوف.
مسلم بن إبراهيم: حدثنا الحارث بن عبيد، قال: حدثنا أبو عمران، [جـ١، صـ٦٢٢] 📖 عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينما أنا قاعد ذات يوم، إذ دخل جبريل، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعد في واحدة، وقعدت في أخرى، فارتفعت حتى سدت الخافقين، فلو شئت أن أمس السماء لمسست، وأنا أقلب طرفي فالتفت إلى جبريل، فإذا هو لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله، وفتح لي باب السماء ورأيت النور الأعظم، ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي».
إسناده جيد حسن، والحارث من رجال مسلم.
سعيد بن منصور: حدثنا أو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به قال: « يا جيريل إن قومي لا يصدقوني»، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق.
رواه إسحاق بن سليمان، عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا مسعر، عن أبي وهب هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فحدثهم صلى الله عليه وسلم بعلامة بيت المقدس، فارتدوا كفارا، فضرب الله رقابهم مع أبي جهل.
وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمرا وزبدا، فتزقموا. ورأى الدجال في صورته رؤيا عين، ليس برؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإبراهيم. وذكر الحديث.
وقال حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، فلم يزايلا ظهره هو وجبريل، حتى انتهيا به إلى بيت المقدس، فصعد به جبريل إلى السماء، فاستفتح جبريل، فأراه الجنة والنار، ثم قال لي: هل صلى في بيت المقدس؟ قلت: نعم، قال: اسمك يا أصلع، قلت: زر بن حبيش، قال: فأين تجده صلاها؟ فتأولت الآية: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} قال: فإنه لو صلى لصليتم كما تصلون في المسجد الحرام، قلت لحذيفة: أربط الدابة بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء؟ قال: أكان يخاف أن تذهب منه وقد أتاه الله بها، كأن [جـ١، صـ٦٢٣] 📖 حذيفة لم يبلغه أنه صلى في المسجد الأقصى، ولا ربط البراق بالحلقة.
وقال ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به. {والشجرة الملعونة في القرآن} قال: هي شجرة الزقوم أخرجه البخاري.
- ذكر معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
قال الله تعالى: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى} وقال: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى}. تفسير ذلك، زائدة وغيره، عن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} فقال: حدثنا عبد الله بن مسعود، أنه رأى جبريل له ستمائة جناح. أخرجاه.
وروى شعبة، عن الشيباني هذا، لكن قال: سألته عن قوله تعالى: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} فذكر أنه رأى جبريل له ستمائة جناح.
وقال البخاري: قبيصة: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} قال: رأى رفرفا أخضر قد ملأ الأفق.
وقال حماد بن سلمة: حدثنا عاصم، عن زر عن عبد الله {ولقد رآه نزلة أخرى} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت جبريل عند سدرة، عليه [جـ١، صـ٦٢٤] 📖 ستمائة جناح، ينفض من ريشه التهاويل الدر والياقوت. عاصم بن بهدلة القارئ، ليس بالقوي.
وقال مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة - كذا قال - وإليها ينتهي ما يصعد به، حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، حتى يقبض منها {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله، المقحمات. أخرجه مسلم.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله {ما كذب الفؤاد ما رأى} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.
وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة: {ولقد رآه نزلة أخرى} قال: رأى جبريل عليه السلام. أخرجه مسلم.
وقال زكريا بن أبي زائدة، عن ابن أشوع، عن الشعبي، عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله تعالى: {دنا فتدلى}؟ قالت: إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد أفق السماء. متفق عليه.
وقال ابن لهيعة: حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، أن نبي الله عليه السلام كان أول شأنه يرى المنام، فكان أول ما رأى جبريل بأجياد، أنه خرج لبعض حاجته، فصرخ به: يا محمد يا محمد، فنظر يمينا وشمالا، فلم ير شيئا، ثم نظر، فلم ير شيئا، فرفع بصره، فإذا هو ثانيا إحدى رجليه [جـ١، صـ٦٢٥] 📖 على الأخرى في الأفق، فقال: يا محمد، جبريل جبريل، يسكنه، فهرب حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئا، ثم رجع فنظر فرآه، فذلك قوله تعالى: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى}.
محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن ابن عباس {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} قال: دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال ابن عباس: قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم. إسناده حسن.
أخبرنا التاج عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا أبو زرعة، قال: أخبرنا المقومي، قال: أخبرنا القاسم بن أبي المنذر، قال: أخبرنا ابن سلمة، قال: أخبرنا ابن ماجه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتيت ليلة أسري بي على قوم، بطونهم كالبيوت، فيها الحيات، ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا». رواه أحمد في مسنده عن الحسن، وعفان، عن حماد، وزاد فيه: رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة.
أبو الصلت مجهول.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن المرداوي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن بن هلال، قال: أخبرنا عبد الله بن علي بن زكري سنة أربع وثمانين وأربعمائة، قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون قال: أنبأنا القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، ولكنه رأى جبريل مرتين في [جـ١، صـ٦٢٦] 📖 صورته وخلقه، سادا ما بين الأفق. أخرجه البخاري عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، عن الأنصاري.
قلت: قد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه، فأنكرتها عائشة، وأما الروايات عن ابن مسعود، فإنما فيها تفسير ما في النجم، وليس في قوله ما يدل على نفي الرؤية لله. وذكرها في الصحيح وغيره.
قال يونس، عن ابن شهاب، عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، ثم أفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فقال لخازنها: افتح، قال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم محمد، قال: أرسل إليه ؟ قال: نعم، ففتح، فلما علونا السماء الدنيا، إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت: «يا جبريل من هذا»؟ قال: آدم عليه السلام، وهذه الأسودة نسم بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، والتي عن شماله أهل النار، ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح.
قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات: آدم، وإدريس، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ولم يثبت - يعني أبا ذر - كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، فلما مر جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس، قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: ثم مر، قلت: من هذا؟ قال: إدريس، قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح: قلت: من هذا؟ قال: موسى، ثم مررت [جـ١، صـ٦٢٧] 📖 بعيسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: عيسى، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم.
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام.
قال ابن شهاب: قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر بموسى، فقال: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة، قال موسى: فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي، فوضع عني شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، قال: فراجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربي فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي. فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك، فقلت: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها [جـ١، صـ٦٢٨] 📖 ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك.
أخبرنا بهذا الحديث يحيى بن أحمد المقرئ بالإسكندرية، ومحمد بن حسين الفوي بمصر، قالا: أخبرنا محمد بن عماد، قال: أخبرنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا علي بن الحسن الشافعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر البزاز، قال: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني، قال: حدثنا أبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، فذكره. رواه مسلم عن حرملة عن ابن وهب.
وروى النسائي شطره الثاني من قول ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حبة، إلى آخره عن يونس، فوافقناه بعلو.
وقد أخرجه البخاري من حديث الليث، عن يونس، وتابعه عقيل، عن الزهري.
وقال همام: سمعت قتادة يحدث، عن أنس، أن مالك بن صعصعة حدثه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، قال: بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجعا إذ أتاني آت - فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال: فأتاني وقد سمعت قتادة يقول - فشق ما بين هذه إلى هذه، قال قتادة: قلت لجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، قال: فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل، وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم - [جـ١، صـ٦٢٩] 📖 يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به ونعم المجيء جاء، ففتح له، فلما خلصت فإذا آدم فيها، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا ؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، قال: فردا السلام، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا بيوسف، قال: هذا يوسف عليه السلام فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت ورد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ونعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا موسى عليه السلام، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام؟ ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما جاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ [جـ١، صـ٦٣٠] 📖 قال: أبكي لأنه غلام بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقال : مرحبا به ونعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام، قال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلي سدرة المنتهى. فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. ثم رفع البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن. فقال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك.
قال: ثم فرضت علي الصلاة، خمسون صلاة في كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة في كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيعها فارجع إلى ربك فسله التخفيف. فرجعت فوضع عني عشرا أخر، ثم رجعت إلى موسى، فذكر الحديث إلى أن قال: إن أمتك لا تستطيع بخمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فسله التخفيف. قلت: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فلما نفرت ناداني مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.
أخرجه البخاري، عن هدبة عنه.
وقال معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس، عن [جـ١، صـ٦٣١] 📖 مالك بن صعصعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر نحوه، وزاد فيه: فأتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فشق من النحر إلى مراق البطن، فغسل بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانا. أخرجه مسلم بطوله.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول : أحد الثلاثة بين الرجلين، قال: فأتيت فانطلق بي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة: قلت لصاحبي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، وحشي، أو قال: كنز إيمانا وحكمة - شك سعيد - ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه ومعي صاحبي لا يفارقني، فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا.
وساق الحديث كحديث همام، إلى قوله: البيت المعمور، فزاد: «يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم».
قلت: وهذه زيادة رواها همام في حديثه، وهو أتقن من ابن أبي عروبة، فقال: قال قتادة، فحدثنا الحسن، عن أبي هريرة أنه رأى البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه. ثم رجع إلى حديث أنس، وفي حديث ابن أبي عروبة زيادة: «في سدرة المنتهى» إن ورقها مثل آذان الفيلة، ولفظه: ثم أتيت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة، قال: إني قد بلوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت، فحط عني خمس صلوات، فما زلت أختلف بين ربي وبين موسى كلما أتيت عليه، قال لي مثل مقالته، حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم، فلما أتيت على موسى قال كمقالته، قلت: لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. فنوديت: أن قد أمضيت [جـ١، صـ٦٣٢] 📖 فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت بكل حسنة عشر أمثالها. أخرجه مسلم.
وقد رواه ثابت البناني، وشريك بن أبي نمر، عن أنس، فلم يسنده لهما، لا عن أبي ذر، ولا عن مالك بن صعصعة، ولا بأس بمثل ذلك، فإن مرسل الصحابي حجة.
قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض، فركبته حتى أتينا بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت، فأتاني جبريل بإناءين خمر ولبن، فاخترت اللبن، فقال: أصبت الفطرة، ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل، ففتح لنا، فإذا بآدم.
فذكر الحديث، وفيه، فإذا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير، إلى أن قال: لما فتح له السماء السابعة: فإذا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، فرحب بي، ودعا لي بخير، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، قال: فدنا فتدلى وأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض علي في كل يوم خمسون صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وجربتهم وخبرتهم، قال: فرجعت فقلت: أي رب خفف عن [جـ١، صـ٦٣٣] 📖 أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ قلت: قد حط عني خمسا، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة.
أخرجه مسلم دون قوله: فدنا فتدلى، وذلك ثابت في رواية حجاج بن منهال، وهو ثبت في حماد بن سلمة.
وقال سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنسا يقول، وذكر حديث الإسراء، وفيه: ثم عرج به إلى السماء السابعة، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. أخرجه البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن سليمان.
وقال شيبان، عن قتادة، عن أبي العالية، حدثنا ابن عباس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي موسى عليه السلام رجلا طوالا جعدا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، قال: وأري مالكا خازن النار والدجال في آيات أراهن الله إياه قال: {فلا تكن في مرية من لقائه}. فكان قتادة يفسرها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى. أخرجه مسلم.
وفي الصحيحين، من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أسري به، لقيت موسى وعيسى، ثم نعتهما، ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به.
وقال مروان بن معاوية الفزاري، عن قنان النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة بن عبد الله ومحمد بن سعد بن أبي [جـ١، صـ٦٣٤] 📖 وقاص، فقال محمد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة: لا، بل حدثنا أنت عن أبيك، قال: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، فأنشأ أبو عبيدة يحدث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، فانطلق يهوي بنا، كلما صعد عقبة استوت رجلاه مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم، كأنه من رجال أزد شنوءة، وهو يقول ويرفع صوته ويقول: أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه، فسلمنا، فرد السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد. قال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته. قال: ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: موسى، قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه! قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج وتحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فسلمنا عليه فرد السلام وقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: ابنك أحمد، فقال: مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني إنك لاق ربك الليلة، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربته، فضرب جبريل منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا. . . هذا حديث حسن غريب.
فإن قيل: فقد صح عن ثابت، وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره، وقد صح عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى يصلي، وذكر إبراهيم، وعيسى قال: فحانت الصلاة فأممتهم». ومن حديث ابن المسيب أنه لقيهم في بيت المقدس. فكيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما تقدم، من أنه رأى هؤلاء الأنبياء في السماوات، وأنه راجع موسى؟. [جـ١، صـ٦٣٥] 📖 فالجواب: أنهم مثلوا له، فرآهم غير مرة، فرأى موسى في مسيره قائما في قبره يصلي، ثم رآه ببيت المقدس، ثم رآه في السماء السادسة هو وغيره، فعرج بهم، كما عرج بنبينا صلوات الله على الجميع، والأنبياء أحياء عند ربهم كحياة الشهداء عند ربهم، وليست حياتهم كحياة أهل الدنيا، ولا حياة أهل الآخرة، بل لون آخر، كما ورد أن حياة الشهداء بأن جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهم أحياء عند ربهم بهذا الاعتبار كما أخبر سبحانه وتعالى، وأجسادهم في قبورهم.
وهذه الأشياء أكبر من عقول البشر، والإيمان بها واجب كما قال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب}.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله، قال: أخبرنا أبو روح عبد المعز بن محمد كتابة، أن تميم بن أبي سعيد الجرجاني أخبرهم، قال: أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا هدبة بن خالد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مررت ليلة أسري بي برائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه ماشطة بنت فرعون، كانت تمشطها، فوقع المشط من يدها، فقالت: باسم الله، قالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك، قالت: أقول له إذا، قالت: قولي له. قال لها: أولك رب غيري؟! قالت: ربي وربك الذي في السماء، قال: فاحمي لها بقرة من نحاس، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظام ولدي، قال: ذلك لك علينا لما لك علينا من الحق. فألقي ولدها في البقرة، واحدا واحدا، فكان آخرهم صبي، فقال: يا أمه اصبري فإنك على الحق. قال ابن عباس: فأربعة تكلموا وهم صبيان ابن ماشطة بنت فرعون، وصبي جريج، وعيسى ابن مريم، والرابع لا أحفظه. هذا [جـ١، صـ٦٣٦] 📖 حديث حسن.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي بكر أبي سبرة وغيره قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يريه الجنة والنار، فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في بيته أتاه جبريل بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظرا، فعرج به إلى السماوات سماء سماء، فلقي فيها الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى.
قال ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال محمد بن عمر: وحدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبيه، عن جده، عن أم سلمة. وحدثنا موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة. وحدثني إسحاق بن حازم، عن وهب بن كيسان، عن أبي مرة، عن أم هانئ، وحدثني عبد الله بن جعفر، عن زكريا بن عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس، وساق الحديث إلى أن قال: وقال بعضهم في الحديث: فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه حين فقد يلتمسونه، حتى بلغ العباس ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك. فقال: يا ابن أخي عنيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: أتيت من بيت المقدس. قال: في ليلتك؟! قال: نعم. قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: ما أصابني إلا خير.
وقالت أم هانئ: ما أسري به إلا من بيتنا: نام عندنا تلك الليلة بعدما صلى العشاء، فلما كان قبل الفجر أنبهناه للصبح، فقام، فلما صلى الصبح قال: يا أم هانئ جئت بيت المقدس، فصليت فيه، ثم صليت الغداة [جـ١، صـ٦٣٧] 📖 معكم. فقالت: لا تحدث الناس فيكذبونك، قال: والله لأحدثنهم، فأخبرهم فتعجبوا، وساق الحديث.
فرق الواقدي، كما رأيت، بين الإسراء والمعراج، وجعلهما في تاريخين.
وقال عبد الوهاب بن عطاء: أخبرنا راشد أبو محمد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له أصحابه: يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها، فقرأ أول «سبحان» وقال:
بينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم عدت في النوم، ثم أيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم نمت، فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا، فإذا أنا بهيئة خيال فأتبعته بصري، حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبهه بدوابكم هذه بغالكم، مضطرب الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره مد بصره، فركبته، فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد أنظرني أسألك، فلم أجبه، فسرت، ثم دعاني داع عن يساري: يا محمد أنظرني أسألك، فلم أجبه، ثم إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة، فقالت: يا محمد أنظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة، فأتاني جبريل بإناءين: خمر ولبن، فشربت اللبن، فقال: أصبت الفطرة، فحدثت جبريل عن الداعي الذي عن يميني، قال: ذاك داعي اليهود، لو أجبته لتهودت أمتك، والآخر داعي النصارى، لو أجبته لتنصرت أمتك، وتلك المرأة الدنيا، لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلينا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيتم الميت حيث يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يفعل ذلك عجبه به، فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ملك، قال تعالى {وما يعلم جنود ربك إلا هو}. [جـ١، صـ٦٣٨] 📖 فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين. ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة - يعني بالخوان المائدة - عليها لحم مشرح، ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى، عليها لحم قد أروح ونتن، وعندها أناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام، قال: ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا، ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم ويلقمون الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فيضجون، قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، ثم مضيت هنية، فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الزناة من أمتك، ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل ما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون. ثم صعدت إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله، قد فضل على الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، ثم صعدت إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وعيسى ومعهما نفر من قومهما. ثم صعدت إلى الرابعة، فإذا أنا بإدريس، ثم صعدت إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه، ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى رجل آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، وإذا هو [جـ١، صـ٦٣٩] 📖 يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله مني، قلت: من هذا؟ قال: موسى. ثم صعدت السابعة، فإذا أنا بإبراهيم، ساند ظهره إلى البيت المعمور، فدخلته ودخل معي طائفة من أمتي، عليهم ثياب بيض، ثم دفعت إلى السدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري، يقال لها سلسبيل، فيشق منها نهران، أحدهما الكوثر والآخر نهر الرحمة، فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة، ثم عرضت علي النار، ثم أغلقت، ثم إني دفعت إلى السدرة المنتهى فتغشى لي، وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة، وفرضت علي الصلاة خمسين، ثم دفعت إلى موسى، فذكر مراجعته في التخفيف. أنا اختصرت ذلك وغيره إلى أن قال، فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييته.
ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب، فقال: إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا، ورأيت كذا، فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد، وذكر الحديث.
هذا حديث غريب عجيب حذفت نحو النصف منه. رواه يحيى بن أبي طالب، عن عبد الوهاب، وهو صدوق، عن راشد الحماني، وهو مشهور، روى عنه حماد بن زيد، وابن المبارك، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي، وهو ضعيف شيعي.
وقد رواه عن أبي هارون أيضا هشيم، ونوح بن قيس الحداني بطوله نحوه، حدث به عنهما قتيبة بن سعيد. ورواه سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن روح بن القاسم، عن أبي هارون العبدي بطوله. ورواه أسد بن موسى، عن مبارك بن فضالة، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، والحسن بن عرفة، عن عمار بن محمد، كلهم عن أبي هارون، وبسياق مثل هذا الحديث صار أبو هارون متروكا. [جـ١، صـ٦٤٠] 📖
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} قال: رأي عين.
ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أسري بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على فراشه.
معمر عن قتادة عن الحسن قال: أسري بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على فراشه.
وقال إبراهيم بن حمزة الزبيري: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثني عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة. (ح) وقال هاشم بن القاسم، ويونس بن بكير، وحجاج الأعور، حدثنا أبو جعفر الرازي، وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} قال: أتي بفرس فحمل عليه، خطوه منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت! قال: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام عن الضريع والزقوم، ورضف جهنم، قال: يا جبريل ما هؤلاء؟ قال: الذين لا يؤدون الزكاة، ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمر بها شيء إلا قصعته، يقول الله تعالى: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}. ثم مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة، لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة. [جـ١، صـ٦٤١] 📖 ثم نعت الجنة والنار، إلى أن قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فدخل وصلى، ثم أتى أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم.
وذكر حديثا طويلا في ثلاث ورقات كبار. تفرد به أبو جعفر الرازي، وليس هو بالقوي، والحديث منكر يشبه كلام القصاص، إنما أوردته للمعرفة لا للحجة REF1548435188.
وروى في المعراج إسحاق بن بشر، وليس بثقة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس حديثا.
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعا، وأقرت صلاة السفر ركعتين. أخرجه البخاري. آخر الإسراء .
- زواجه صلى الله عليه وسلم بعائشة وسودة أمي المؤمنين.
قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة، قبل الهجرة، وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع سنين جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة، وأنا مجممة فهيأنني وصنعنني، ثم أتين بي إليه. قال عروة: ومكثت عنده تسع سنين. وهذا حديث صحيح.
وقال أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبا من ذلك، ونكح [جـ١، صـ٦٤٢] 📖 عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي ابنة تسع. أخرجه البخاري هكذا مرسلا.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريتك في المنام مرتين، أرى أن رجلا يحملك في سرقة حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف فأراك فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه». متفق عليه.
وقال عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألا تزوج؟ قال: ومن؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال: من البكر ومن الثيب؟ فقالت: أما البكر فعائشة ابنة أحب خلق الله إليك. وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك، قال: اذكريهما علي. قالت: فأتيت أم رومان فقلت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: ماذا؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر عائشة. قالت: انتظري فإن أبا بكر آت، فجاء أبو بكر فذكرت ذلك له. فقال: أوتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخوه وهو أخي وابنته تصلح لي. قالت: وقام أبو بكر، فقالت لي أم رومان: إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، ووالله ما أخلف وعدا قط ، تعني أبا بكر. قالت: فأتى أبو بكر المطعم فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية. قالت: فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليك تصبئه وتدخله في دينك. فأقبل عليه أبو بكر فقال: ما تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع. فقام أبو بكر وليس في نفسه من الموعد شيء، فقال لها: قولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فليأت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فملكها، قالت: ثم انطلقت إلى سودة بنت [جـ١، صـ٦٤٣] 📖 زمعة، وأبوها شيخ كبير قد جلس عن الموسم فحييته بتحية أهل الجاهلية وقلت: أنعم صباحا، قال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم، فرحب بي وقال ما شاء الله أن يقول، قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة بنت زمعة، قال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قلت: تحب ذلك، قال: قولي له فليأت، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فملكها. قالت: وقدم عبد بن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثو على رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة. إسناده حسن.
- عرض نفسه صلى الله عليه وسلم على القبائل.
قال إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي». أخرجه أبو داود، عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، وهو على شرط البخاري.
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: «لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذاك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من الفتك، حتى أبلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء، فلم يقبله أحد ويقولون: قومه أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، ولفظوه، فكان ذلك مما ذخر الله للأنصار.
وتوفي أبو طالب، وابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف، رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم، هم سادة ثقيف: عبد ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم [جـ١، صـ٦٤٤] 📖 البلاء، وما انتهك منه قومه.
فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك قط. وقال الآخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك. وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله، لأنت أشر من أن أكلمك. وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ودموا رجليه، فخلص منهم وهما تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظل في ظل سمرة حبلة منه، وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة أخوه، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسا، وهو نصراني من أهل نينوى، معه عنب، فلما جاء عداس، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي أرض أنت يا عداس»؟ قال: من أهل نينوى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى»؟ فقال: ما يدريك من يونس بن متى؟ قال: «أنا رسول الله، والله أخبرني خبر يونس» فلما أخبره خر عداس ساجدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة، وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة.
وقال يونس بن يزيد، عن الزهري: أخبرني عروة، أن عائشة حدثته، أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ قال: «ما لقيت من قومك كان أشد منه، يوم
العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا هو جبريل، فناداني إن الله قد سمع قول [جـ١، صـ٦٤٥] 📖 قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم «، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت يطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أسرارهم - أو قال: من أصلابهم - من يعبد الله لا يشرك به شيئا. أخرجاه.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادتهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو، وأخواه مسعود وحبيب، وعند أحدهم امرأة من قريش من جمح، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله من يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله لا أكلمك.
وذكره كما في حديث ابن شهاب، وفيه زيادة وهي: فلما اطمأن صلى الله عليه وسلم قال فيما ذكر لي: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخط، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم [جـ١، صـ٦٤٦] 📖 يقف على القبائل من العرب، يقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله قال: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحي من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا عمه عبد العزى أبو لهب.
وحدثني ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه.
وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين، أنه أتى كلبا في منازلهم، إلى بطن منهم يقال له بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم، فدعاهم إلى الله فلم يقبلوا.
وحدثني بعض أصحابنا أنه أتى بني حنيفة في منازلهم، ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا منهم.
وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»، قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن [جـ١، صـ٦٤٧] 📖 قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد يسميه قومه فيهم الكامل لسنه وجلده وشعره، فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى الله، فقال سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما الذي معك»؟ قال: مجلة لقمان، يعني حكمة لقمان، قال: اعرضها، فعرضها عليه، فقال: «إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل منه، قرآن أنزله الله علي»، فتلا عليه القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن. ثم انصرف فقدم المدينة على قومها، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم، وكان قتله يوم بعاث.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق قال: وسويد الذي يقول:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ✱ مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهدا ✱ وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ✱ تميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم ✱ من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد بريتني ✱ وخير الموالي من يريش ولا يبري
- حديث يوم بعاث.
قال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقال [جـ١، صـ٦٤٨] 📖 لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس، وكان غلاما حدثا: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له، فيأخذ أبو الحيسر حفنة من الحصباء، فضرب بها وجه إياس، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فسكت، وقام النبي صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، وكانوا لا يشكون أنه مات مسلما. وقد كان استشعر منه الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم - يعني وجرحوا - قدمه الله لرسوله في دخولهم في الإسلام. أخرجه البخاري.
- ذكر مبدأ خبر الأنصار
والعقبة الأولى.
قال أحمد بن المقدام العجلي: حدثنا هشام بن محمد الكلبي، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير، عن أبيه قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ✱ بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بن بكر، سعد تميم؟ فلما كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول: [جـ١، صـ٦٤٩] 📖
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ✱ ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ✱ على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ✱ جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه الأنصار، فعرض نفسه على القبائل، كما كان يصنع، فبينا هو عند
العقبة لقي رهطا من الخزرج، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لقيهم قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله به في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وأسلموا وقالوا: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك به، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر ستة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك الزرقي، وقطبة بن عامر السلمي، وعقبة بن عامر. رواه جرير بن حازم، عن ابن إسحاق، فقال بدل عقبة: معوذ بن عفراء، وجابر بن عبد الله أحد بني عدي بن غنم، فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله، ودعوهم إلى الإسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله [جـ١، صـ٦٥٠] 📖 صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالعقبة، وهي
العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء، وذكوان بن عبد قيس، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة البلوي، وعباس بن عبادة بن نضلة، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وهم من الخزرج، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس.
وقال يونس وجماعة، عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة، قال: حدثني عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى، ونحن اثنا عشر رجلا، فبايعناه بيعة النساء، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وذلك قبل أن تفترض الحرب، فإن وفيتم بذلك فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب.
أخرجاه عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب. أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن أبي عمرو قالا: أخبرنا الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن بن البن، قال: أخبرنا جدي أبو القاسم الحسين، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أبي العلاء سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان المعدل، قال: أخبرنا علي بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم القرشي، قال: أخبرنا محمد بن عائذ، قال: أخبرني إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى [جـ١، صـ٦٥١] 📖 النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله عز وجل، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة. رواه زهير بن معاوية، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن عبادة قال نحوه. خالفه داود بن عبد الرحمن العطار، ويحيى بن سليم، فرويا عن ابن خثيم هذا المتن بإسناد آخر، وهو عن أبي الزبير عن جابر. وسيأتي.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فلما انصرف القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير العبدري يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، فنزل على أسعد بن زرارة، فحدثني عاصم بن عمر أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض.
قال ابن إسحاق: وكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ.
وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة، واستغفر، فقلت: يا أبه ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبي أمامة؟! قال: أي بني، كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات، قلت: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا.
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: فلما حضر الموسم حج نفر من الأنصار، منهم معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن بن تغلب، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم خبره، وقرأ [جـ١، صـ٦٥٢] 📖 عليهم القرآن، فأيقنوا به واطمأنوا وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب، فصدقوه، ثم قالوا: قد علمت الذي كان بين الأوس والخزرج من سفك الدماء، ونحن حراص على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة، وإنا نشير عليك برأينا، فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله، فلعل الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لهم أمرهم فنواعدك الموسم من قابل، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعوا إلى قومهم فدعوهم سرا REF1548436076 وتلوا عليهم القرآن، حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم فيها ناس، ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء، ورافع بن مالك أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا، فبعث مصعب بن عمير، فنزل في بني تميم على أسعد يدعو الناس سرا REF1548436076، ويفشو فيهم الإسلام ويكثر، ثم أقبل مصعب وأسعد، فجلسا عند بئر بني مرق، وبعثا إلى رهط من الأنصار، فأتوهما مستخفين، فأخبر بذلك سعد بن معاذ، ويقول بعض الناس: بل أسيد بن حضير فأتاهم في لأمته معه الرمح، حتى وقف عليهم، فقال لأبي أمامة أسعد: علام أتيتنا في دورنا بهذا الوحيد الغريب الطريد، يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه، لا أراك بعدها تسيء من جوارنا، فقاموا، ثم إنهم عادوا مرة أخرى لبئر بني مرق، أو قريبا منها، فذكروا لسعد بن معاذ الثانية فجاءهم، فتواعدهم وعيدا دون وعيده الأول، فقال له أسعد: يا ابن خالة، اسمع من قوله، فإن سمعت حقا فأجب إليه، وإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب: «حم والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» فقال سعد: ما أسمع إلا ما أعرفه، فرجع سعد وقد هداه الله، ولم يظهر لهما إسلامه، حتى رجع إلى قومه فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام، وأظهر لهم إسلامه وقال: من شك منكم فيه فليأت بأهدى منه، فوالله لقد جاء أمر لتحزن منه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ، إلا من لا يذكر.
ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدوا على أسعد، فانتقل مصعب إلى سعد بن معاذ يدعو آمنا ويهدي الله به. وأسلم عمرو بن الجموح، وكسرت أصنامهم، وكان المسلمون أعز من بالمدينة، وكان [جـ١، صـ٦٥٣] 📖 مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا قال ابن شهاب: إن مصعبا أول من جمع بالمدينة.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، وقالا: على بئر مرق، فاجتمع إليهما ناس، وكان سعد وأسيد بن حضير سيدي بني عبد الأشهل، فلما سمعا به قال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فلولا أسعد بن زرارة ابن خالتي كفيتك ذلك، فأخذ أسيد حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه.
قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كان لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما بلغنا: والله لعرفنا في وجهه الإسلام، قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل وأسلم وركع ركعتين ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه من قومه أحد، وسأرسله إليكما، ثم انصرف إلى سعد بن معاذ وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما رآه سعد مقبلا قال: أقسم بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ولى به، ثم قال له: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فما رأيت بهما بأسا، وقد تهيبتهما فقالا: لا نفعل ما أحببت، [جـ١، صـ٦٥٤] 📖 وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، فقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا، فأخذ الحربة وقال: والله ما أراك أغنيت عنا شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متبسما. ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت مني هذا، أتغشانا في دارينا بما نكره! وقد قال أسعد لمصعب: أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، فقال: أوتقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره، قال: أنصفت، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فعرفنا في وجهه والله الإسلام قبل أن يتكلم به، لإشراقه وتسهله. ثم فعل كما عمل أسيد، وأسلم، وأخذ حربته، وأقبل عامدا إلى نادي قومه، ومعه أسيد، فلما رآه قومه قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعرفون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا، فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، ورجع مصعب وأسعد إلى منزلهما، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرا لهم وقائدا، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى مضت أحد والخندق. [جـ١، صـ٦٥٥] 📖