- السنة العاشرة
ثم قال ابن إسحاق: ولما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس.
قال: فقدم عطارد بن حاجب في وفد عظيم من بني تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، ومعهم عيينة بن حصن. فلما دخلوا المسجد. نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، وآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: قد أذنت لخطيبكم، فليقم. فقام عطارد، فقال:
الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا. ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإن لو نشأ لأكثرنا الكلام، ولكن نستحيي من الإكثار. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا.
ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس الخزرجي: قم فأجبه. فقام، فقال:
الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله. ثم كان من فضله أن جعلنا [جـ١، صـ٤٥٢] 📖 ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا؛ أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير العالمين فعالا، ثم كان أول الخلق استجابة إذ دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله. فمن آمن منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا ✱ من الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ✱ عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ✱ من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم ✱ من كل أرض هويا ثم نصطنع في أبيات.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا حسان، فأجبه. فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ✱ قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ✱ تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ✱ أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ✱ إن الخلائق فاعلم شرها البدع في أبيات.
فقال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا الرجل لمؤتى له. إن خطيبه أفصح من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا. [جـ١، صـ٤٥٣] 📖
قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وأحسن النبي صلى الله عليه وسلم جوائزهم. وفيهم نزلت: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون}.
وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن هذا الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه. قال: وأراه قال قد عرف قيسا. فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. فقال عمرو: ما علمتك إلا زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال.
ثم قال: يا رسول الله، قد صدقت فيهما جميعا؛ أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم، وأسخطني فقلت بأسوأ ما فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان سحرا».
وقد روى نحوه علي بن حرب الطائي، عن أبي سعد الهيثم بن محفوظ، عن أبي المقوم الأنصاري يحيى بن يزيد، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس؛ متصلا.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: حدثنا أبو بكر بن ثمامة بن النعمان الراسبي، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير؛ قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت سيدنا وذو الطول علينا. فقال: «مه مه، قولوا بقولكم ولا يستجرئنكم الشيطان، السيد الله، السيد الله».
وقال الزبير بن بكار: حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤملة، عن أبيها، عن جدها مؤملة بن جميل، قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عامر، أسلم. قال: أسلم على أن الوبر لي ولك المدر. قال: يا عامر أسلم. فأعاد قوله. قال: لا. فولى وهو يقول: يا محمد، لأملأنها [جـ١، صـ٤٥٤] 📖 عليك خيلا جردا ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفني عامرا واهد قومه». فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة يقال لها سلولية، فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وجعل يجول، ويقول: غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية. فلم تزل تلك حاله حتى سقط ميتا.
وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يغدر به. فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا. فقال: قد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر: يا محمد، خالني. فقال: لا والله، حتى تؤمن بالله وحده، فقال: والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال: «اللهم اكفني عامرا». ثم قال لأربد: أين ما أمرتك به؟ قال: لا أبا لك، والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ فبعث الله ببعض الطريق على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من سلول. وأما الآخر فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة أحرقتهما.
وقال همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس، قال: كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال؛ يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. [جـ١، صـ٤٥٥] 📖
قال: فطعن في بيت امرأة. فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي. فركب فمات على ظهر فرسه. أخرجه البخاري.
- وافد بني سعد
قال ابن إسحاق: عن محمد بن الوليد، عن كريب، عن ابن عباس: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال: أنا. فقال: أنت محمد؟ قال: «نعم». قال: إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك. أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد؟ قال: «اللهم نعم». قال: فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «نعم». ثم جعل يذكر فرائض الإسلام ينشده عند كل فريضة، ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص.
ثم انصرف إلى بعيره راجعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة». فقدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: باست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجنون. قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. [جـ١، صـ٤٥٦] 📖
قال: فوالله ما أمسى ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام.
وقال إسحاق بن أبي إسرائيل المروزي: حدثني حمزة بن الحارث بن عمير، قال: حدثنا أبي، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: جاء رجل من أهل البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، الله أرسلك؟ وذكر الحديث، وفيه: فإني قد آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقه الرجل». قال: فكان عمر يقول: ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة. الحارث بن عمير ضعيف. وقصة ضمام في الصحيحين من حديث أنس.
قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو أخو بني عبد القيس - قال عبد الملك بن هشام: وكان نصرانيا - فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. فقال: يا محمد، تضمن لي ديني؟ قال: «نعم، قد هداك الله إلى ما هو خير منه». قال: فأسلم، وأسلم أصحابه.
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب. فكان منزلتهم في دار بنت الحارث الأنصارية. فحدثني بعض علمائنا أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب نخل في رأسه خوصات. فلما كلم النبي صلى الله عليه وسلم وسأله قال: «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه».
قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في [جـ١، صـ٤٥٧] 📖 رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به لهم، وقال: «أما إنه ليس بأشركم مكانا»؛ يعني حفظه ضيعة أصحابه. ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه.
فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر مع محمد، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بأشركم مكانا؟ وما ذاك إلا لما يعلم أني قد أشركت معه. ثم جعل يسجع السجعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى. ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الزنا والخمر. وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي. فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك.
وقال شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، قال: حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها. ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله. وإني أراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني». ثم انصرف.
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي». قال: فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة. أخرجاه.
وقال معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم إذ أتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي [جـ١، صـ٤٥٨] 📖 وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما، فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب صنعاء وصاحب اليمامة». متفق عليه.
وقال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: سمع أبا رجاء؛ هو العطاردي؛ يقول: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب؛ لحقنا بالنار؛ وكنا نعبد الحجر في الجاهلية. وإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم حلبنا عليها اللبن، ثم نطوف به.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرؤون قراءة ما أنزلها الله: الطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم، وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة. قال: فأمر به عبد الله فقتل. ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكنا نحدرهم إلى الشأم لعل الله أن يكفيناهم.
وقال المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال: «آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما».
قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.
قال عبد الله: أما ابن أثال فقد كفانا الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي حتى أمكن الله منه. رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن المسعودي. وله شاهد.
قال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن [جـ١، صـ٤٥٩] 📖 نعيم بن مسعود، عن أبيه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟ قالا: نعم. فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما».
قال ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر:
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون.
فكتب إليه: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين».
- ثم قدم وفد طيئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم زيد الخيل سيدهم. فأسلموا، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين، وخرج راجعا إلى قومه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ينج زيد من حمى المدينة». فإنه يقال قد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى، فلم نثبته . فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له قردة، أصابته الحمى فمات بها. قال: فعمدت امرأته إلى ما معه من كتب فحرقتها.
وقال شعبة: حدثنا سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب، فأخذوا عمتي وناسا. فلما أتوا بهم رسول الله، قالت: يا رسول الله، غاب الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، فمن علي من الله عليك. قال: «من وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم. قال: «الذي فر من الله ورسوله؟» قالت: فمن علي. ورجل إلى جنبه تراه عليا، فقال: سليه حملانا، فأمر لها به. قال: فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها. ائته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. [جـ١، صـ٤٦٠] 📖
قال عدي: فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان؛ أو صبي، فذكر قربهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فأسلمت. فرأيت وجهه استبشر، وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى». وذكر باقي الحديث.
وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد قال: قال أبو عبيدة بن حذيفة، قال رجل: كنت أسأل عن حديث عدي وهو إلى جنبي لا أسأله. فأتيته، فقال: بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط. فخرجت حتى أقصى أرض العرب مما يلي الروم. ثم كرهت مكاني فقلت: لو أتيته وسمعت منه. فأتيت إلى المدينة، فاستشرفني الناس؛ وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم. فقال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم. فقلت: إني على دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك، ألست ركوسيا؟» قلت: بلى. قال: «ألست ترأس قومك؟» قلت: بلى. قال: «ألست تأخذ المرباع؟» قلت: بلى. قال: «فإن ذلك لا يحل في دينك». قال: فوجدت بها علي غضاضة. ثم قال: «إنه لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى بمن عندنا خصاصة، وترى الناس علينا إلبا واحدا. هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد علمت مكانها. قال: «فإن الظعينة سترحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز». قلت: كنوز كسرى ابن هرمز؟ قال: « نعم، وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل ماله منه صدقة». قال: فلقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن. ووالله لتكونن الثالثة، إنه لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى نحوه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة.
وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فروة بن مسيك المرادي، [جـ١، صـ٤٦١] 📖 مفارقا لملوك كندة. فاستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على مراد وزبيد ومذحج كلها. وبعث معه على الصدقة خالد بن سعيد بن العاص، فكان معه حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد كندة، ثمانون راكبا فيهم الأشعث بن قيس. فلما دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشقوه وألقوه.
قال: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم، في وفد من الأزد. فأمره على من أسلم من قومه، ليجاهد من يليه.
- إسلام ملوك اليمن
قال: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب ملوك حمير؛ مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان. وبعث إليه ذو يزن، مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم. فكتب إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابا يذكر فيه فريضة الصدقة. وأرسل إليهم معاذ بن جبل في جماعة، وقال لهم: إني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن جده، عن البراء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا - رضي الله عنه - ، فأمره أن [جـ١، صـ٤٦٢] 📖 يقفل خالدا، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت همدان جمعا. فكتب علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامهم، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان». هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد.
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن. فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء؟ فضرب بيده في صدري وقال: «اللهم اهد قلبه وثبت لسانه». فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه ابن ماجه.
وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أن عليا قدم من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع. متفق عليه من حديث عطاء.
وقال شعبة، وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا». متفق عليه، ومن أوجه أخر بأطول من هذا.
وفي «الصحيح» للبخاري، من حديث طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض قومي. قال: فجئته وهو منيخ [جـ١، صـ٤٦٣] 📖 بالأبطح، فسلمت عليه. فقال: «أحججت يا عبد الله بن قيس؟» قلت: نعم. قال: «كيف قلت؟ قال:» قلت: لبيك إهلالا كإهلالك. فقال: «أسقت هديا؟» قلت: لم أسق هديا. قال: «فطف بالبيت واسع ثم حل ». ففعلت. وذكر الحديث.
أما معاذ فالأشبه أنه لم يرجع من اليمن حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عهدا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، ولا يمس القرآن أحد إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، وقال: «ألا لعنة الله على الظالمين». ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس من النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرة. وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي إلى السماء بفرجه. ولا يعقد شعر رأسه إذا عفي في قفاه. وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله عز وجل، ودعا إلى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر الناس بإسباغ الوضوء؛ وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله، وأمروا بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع [جـ١، صـ٤٦٤] 📖 والخشوع، وأن يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله عز وجل، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى الغيل وفيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب فنصف العشر. ثم ذكر زكاة الإبل والبقر، مختصرا.
قال: وعلى كل حالم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، من اليهود والنصارى، دينار واف أو عرضه من الثياب. فمن أدى ذلك كان له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين.
وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، نحو هذا الحديث موصولا؛ بزيادات كثيرة في الزكاة، ونقص عما ذكرنا في السنن.
وقال أبو اليمان: حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني: أن معاذا لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: «يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري». فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تبك يا معاذ، البكاء من الشيطان».
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت [جـ١، صـ٤٦٥] 📖 صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « دعوهم». فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وقال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة، قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران؛ ستون راكبا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم : العاقب أمير القوم وذو رأيهم، صاحب مشورتهم، والذين لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره؛ واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم؛ واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل؛ أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم.
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم. وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس. فلما توجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه أخ له؛ يقال له: كرز بن علقمة؛ يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد؛ يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له: لم يا أخي؟ فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره. قال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرفونا ومولونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله فيهم: «يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده» الآيات. [جـ١، صـ٤٦٦] 📖 فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من نجران يقال له الربيس: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله». فنزلت «ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم» إلى قوله «من الشاهدين». . . الآيات.
وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق ، عن صلة، عن ابن مسعود، ورواه شعبة، وسفيان، عن أبي إسحاق فقالا حذيفة بدل ابن مسعود: إن السيد والعاقب أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا. ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين». فاستشرف لها أصحابه. فقال: «قم، يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام قال: « هذا أمين هذه الأمة». أخرجه البخاري من حديث حذيفة.
وقال إدريس الأودي، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران. فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرؤون: «يا أخت هارون» وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم؟ قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: «أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم». أخرجه مسلم.
وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثا. فخرج [جـ١، صـ٤٦٧] 📖 خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أعيانهم: قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل. قال: فأمر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قيسا.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة، ويأخذ منهم صدقاتهم.
وفي عاشر ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن سنة ونصف. وغسله الفضل بن العباس. ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد فيما قيل. وكان أبيض مسمنا، كثير الشبه بوالده - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ثابت، عن أنس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم» ففيه دليل على تسمية الولد ليلية مولده. ثم دفعه إلى أم سيف؛ يعني امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. قال أنس: فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنه وانطلقت معه، فدخل فدعا بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول.
قال أنس: فلقد رأيت إبراهيم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: « تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون». أخرجه مسلم والبخاري تعليقا مجزوما به.
وقال شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال: لما توفي إبراهيم ابن رسول الله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن له مرضعا تتم رضاعه في الجنة». أخرجه البخاري. [جـ١، صـ٤٦٨] 📖
وقال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ابنه إبراهيم حين مات.
وفيها: مات أبو عامر الراهب، الذي كان عند هرقل عظيم الروم.
وفيها: ماتت بوران بنت كسرى ملكة الفرس، وملكوا بعدها أختها آزرمن. قاله أبو عبيدة.
وفي أواخر ذي القعدة: ولد محمد بن أبي بكر الصديق، ولدته أسماء بنت عميس، بذي الحليفة، وهي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال جابر بن عبد الله: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إليه: كيف أصنع؟ فقال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي».
وفيها: ولد محمد بن عمرو بن حزم، بنجران، وأبوه بها.