0748Dhahabi.TarikhIslam.MGR20180917-ara1.25179


حديث الأفك

وكان في هذه الغزوة

قال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، عن معمر، والنعمان بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه. قالت: فأقرع بيننا في غزاة المريسيع، فخرج سهمي، فهلك في من هلك.

وكذلك قال ابن إسحاق، والواقدي وغيرهما أن حديث الإفك في غزوة المريسيع.

وروي عن عباد بن عبد الله قال: قلت: يا أماه حدثيني حديثك في غزوة المريسيع.

قرأت على أبي محمد عبد الخالق بن عبد السلام، ببعلبك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الحق اليوسفي، قال: أخبرنا أبو سعد بن خشيش، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا ميمون بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لقد [جـ١، صـ١٧٦] 📖 تحدث بأمري في الإفك واستفيض فيه وما أشعر. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أناس من أصحابه، فسألوا جارية لي سوداء كانت تخدمني فقالوا: أخبرينا ما علمك بعائشة؟ فقالت: والله ما أعلم منها شيئا أعيب من أنها ترقد ضحى حتى إن الداجن داجن أهل البيت تأكل خميرها. فأداروها وسألوها حتى فطنت، فقالت: سبحان الله، والذي نفسي بيده ما أعلم على عائشة إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. قالت: فكان هذا وما شعرت.

ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فأشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وايم الله إن علمت على أهلي من سوء قط، وأبنوهم بمن، والله إن علمت عليه سوءا قط، ولا دخل على أهلي إلا وأنا شاهد، ولا غبت في سفر إلا غاب معي. فقال سعد بن معاذ: أرى يا رسول الله أن تضرب أعناقهم. فقال رجل من الخزرج - وكانت أم حسان من رهطه، وكان حسان من رهطه - : والله ما صدقت، ولو كان من الأوس ما أشرت بهذا. فكاد يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد، ولا علمت بشيء منه، ولا ذكره لي ذاكر. حتى أمسيت من ذلك اليوم فخرجت في نسوة لحاجتنا، وخرجت معنا أم مسطح - بنت خالة أبي بكر - فإنا لنمشي ونحن عامدون لحاجتنا، عثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح. فقلت: أي أم، أتسبين ابنك؟ فلم تراجعني. فعادت ثم عثرت فقالت: تعس مسطح. فقلت: أي أم أتسبين ابنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم تراجعني. ثم عثرت ثالثة فقالت: تعس مسطح. فقلت: أي أم، أتسبين ابنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله ما أسبه إلا من أجلك وفيك. فقلت: وفي أي شأني؟ قالت: وما علمت بما كان؟ فقلت: لا، وما الذي كان؟ قالت: أشهد أنك مبرأة مما قيل فيك. ثم بقرت لي الحديث، فلأكر راجعة إلى البيت ما أجد مما خرجت له قليلا ولا كثيرا. وركبتني الحمى فحممت. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألني عن شأني، فقلت: أجدني موعوكة، ائذن لي أذهب إلى أبوي. فأذن لي، وأرسل معي [جـ١، صـ١٧٧] 📖 الغلام، فقال: امش معها. فجئت فوجدت أمي في البيت الأسفل، ووجدت أبي يصلي في العلو فقلت لها: أي أمه، ما الذي سمعت؟ فإذا هي لم ينزل بها من حيث نزل مني، فقالت: أي بنية وما عليك، فما من امرأة لها ضرائر تكون جميلة يحبها زوجها إلا وهي يقال لها بعض ذلك. فقلت: وقد سمعه أبي؟ فقالت: نعم، فقلت: وسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت، فسمع أبي البكاء، فقال: ما شأنها؟ فقالت: سمعت الذي تحدث به. ففاضت عيناه يبكي، فقال: أي بنية، ارجعي إلى بيتك، فرجعت، وأصبح أبواي عندي، حتى إذا صليت العصر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بين أبوي، أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد يا عائشة إن كنت ظلمت أو أخطأت أو أسأت فتوبي وراجعي أمر الله واستغفري، فوعظني، وبالباب امرأة من الأنصار قد سلمت، فهي جالسة بباب البيت في الحجرة، وأنا أقول: ألا تستحيي أن تذكر هذا، والمرأة تسمع ، حتى إذا قضى كلامه قلت لأبي وغمزته: ألا تكلمه؟ فقال: وما أقول له؟ والتفت إلى أمي فقلت: ألا تكلمينه؟ فقالت: وماذا أقول له؟ فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد فوالله لئن قلت لكم أن قد فعلت والله يشهد أني لبريئة ما فعلت لتقولن قد باءت به على نفسها واعترفت به، ولئن قلت لم أفعل والله يعلم أني لصادقة ما أنتم بمصدقي. لقد دخل هذا في أنفسكم واستفاض فيكم، وما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف العبد الصالح؛ وما أعرف يومئذ اسمه: « فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون».

ونزل الوحي ساعة قضيت كلامي، فعرفت والله البشر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتكلم. فمسح جبهته وجبينه ثم قال: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله عذرك. وتلا القرآن. فكنت أشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا إياكما ولكني أحمد الله الذي برأني. لقد سمعتم فما أنكرتم ولا جادلتم ولا خاصمتم.

فقال الرجل الذي قيل له ما قيل، حين بلغه نزول العذر: سبحان الله، [جـ١، صـ١٧٨] 📖 فوالذي نفسي بيده ما كشفت قط كنف أنثى. وكان مسطح يتيما في حجر أبي بكر ينفق عليه، فحلف لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا. فأنزل الله «ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى» إلى قوله «ألا تحبون أن يغفر الله لكم». فقال أبو بكر: بلى والله يا رب، إني أحب أن تغفر لي وفاضت عيناه فبكى، رضي الله عنه.

وهذا عال حسن الإسناد، أخرجه البخاري تعليقا؛ فقال: وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة. فذكره.

وقال الليث - واللفظ له - وابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أخبرني عروة، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله؛ وكل حدثني بطائفة من الحديث، وبعض حديثهم يصدق بعضا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما نزل الحجاب، وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمسته، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي واحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت. وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكروا خفة الهودج حين رفعوه. وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا. فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش. فأدلج [جـ١، صـ١٧٩] 📖 فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفت، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. فأناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك. وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك. وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل علي فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف. فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت يوما بعدما نقهت . فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع؛ وهو متبرزنا؛ وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهى ابنة أبى رهم بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبى بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي، قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا كثرن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت الليلة حتى لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث [جـ١، صـ١٨٠] 📖 الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغنا أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت في أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج - وكان قبل ذلك رجلا صالحا - ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت.

قالت: فبكيت يومي ذلك وليلتي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، حتى يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فجلست تبكي معي. فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهد حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن [جـ١، صـ١٨١] 📖 العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله. قالت: ما أدري ما أقول له. فقلت وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت لقد سمعت هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف «فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون» ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا أعلم أني بريئة وأن الله يبرئني ببراءتي. ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه. فلما سري عنه وهو يضحك كان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. وأنزل الله تعالى: «إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم» العشر الآيات كلها.

فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل الله تعالى «ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم» قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقالت : أحمي سمعي وبصري ما [جـ١، صـ١٨٢] 📖 علمت إلا خيرا. وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. متفق عليه من حديث يونس الأيلي.

وقال أبو معشر: حدثني أفلح بن عبد الله بن المغيرة، عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فذكر الحديث بطوله عن الأربعة عن عائشة، فقال الوليد: وما ذاك؟ قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة بني المصطلق فساهم بين نسائه، فخرج سهمي وسهم أم سلمة.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي. فقلت: لا. حدثني سعيد، وعروة، وعلقمة، وعبيد الله كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي. قال فقال لي: فما كان جرمه؟ قلت: سبحان الله، من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئا في أمري. أخرجه البخاري.

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة التي نزل بها عذري على الناس، نزل فأمر برجلين وامرأة ممن كان تكلم بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد. قال: وكان رماها ابن أبي، ومسطح، وحسان، وحمنة بنت جحش.

وقال شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبب بأبيات له: [جـ١، صـ١٨٣] 📖

حصان رزان ما تزن بريبة ✱ وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

قالت: لست كذاك. قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله عز وجل «والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم»، قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: كان يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.

وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال : وكان صفوان بن المعطل قد كثر عليه حسان في شأن عائشة، وقال يعرض به:

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمس بيضة البلد

فاعترضه صفوان ليلة وهو آت من عند أخواله بني ساعدة، فضربه بالسيف على رأسه، فيعدو عليه ثابت بن قيس فجمع يديه إلى عنقه بحبل أسود وقاده إلى دار بني حارثة، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ فقال: ما أعجبك! عدا على حسان بالسيف، فوالله ما أراه إلا قد قتله. فقال: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنعت به؟ فقال: لا. فقال: والله لقد اجترأت، خل سبيله. فسنغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعلمه أمره فخل سبيله. فلما أصبحوا غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال: أين ابن المعطل؟ فقام إليه، فقال: ها أنذا يا رسول الله، فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: آذاني وكثر علي ولم يرض حتى عرض بي في الهجاء، فاحتملني الغضب، وها أنذا، فما كان علي من حق فخذني به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي حسان، فأتى به؛ فقال: يا حسان: أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام، يقول: تنفست عليهم يا حسان، أحسن فيما أصابك. فقال: هي لك يا رسول الله. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرين القبطية. فولدت له عبد الرحمن، وأعطاه أرضا كانت لأبي طلحة تصدق بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. [جـ١، صـ١٨٤] 📖

وحدثني يعقوب بن عتبة، أن صفوان بن المعطل قال حين ضرب حسان:

تلق ذباب السيف عنك فإنني ✱ غلام إذا هوجيت لست بشاعر.

وقال حسان لعائشة رضي الله عنها:

رأيتك وليغفر لك الله، حرة ✱ من المحصنات غير ذات غوائل.
حصان رزان ما تزن بريبة ✱ وتصبح غرثى من لحوم الغوافل.
وإن الذي قد قيل ليس بلائق ✱ بك الدهر بل قيل امرئ متماحل.
فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم ✱ فلا رفعت سوطي إلي أناملي.
فكيف وودي ما حييت ونصرتي ✱ لآل رسول الله زين المحافل.
وإن لهم عزا يرى الناس دونه ✱ قصارا، وطال العز كل التطاول. منها:
عقيلة حي من لؤي بن غالب ✱ كرام المساعي مجدهم غير زائل.
مهذبة قد طيب الله خيمها ✱ وطهرها من كل سوء وباطل.

استشهد صفوان في وقعة أرمينية سنة تسع عشرة. قاله ابن إسحاق.

وعن عائشة قالت: لقد سألوا عن ابن المعطل فوجدوه حصورا ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدا.

- غزوة الخندق

قال الواقدي: وهي غزوة الأحزاب، وكانت في ذي القعدة.

قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر، وخرج نفر من وجوههم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم [جـ١، صـ١٨٥] 📖 وعاهدوهم على قتاله، وواعدوهم لذلك وقتا. ثم أتوا غطفان وسليما فدعوهم إلى ذلك، فوافقوهم.

وتجهزت قريش وجمعوا عبيدهم وأتباعهم، فكانوا في أربعة آلاف، وقادوا معهم نحو ثلاث مائة فرس من سوى الإبل. وخرجوا وعليهم أبو سفيان بن حرب، فوافتهم بنو سليم بمر الظهران، وهم سبع مائة. وتلقتهم بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي. وخرجت فزارة وهم في ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن. وخرجت أشجع وهم أربع مائة يقودهم مسعود بن زحيلة. وخرجت بنو مرة وهم أربع مائة يقودهم الحارث بن عوف. وقيل إنه رجع ببني مرة، والأول أثبت. فكان جميع الأحزاب عشرة آلاف، وأمر الكل إلى أبي سفيان. وكان المسلمون في ثلاثة آلاف. هذا كلام الواقدي.

وأما ابن إسحاق فقال: كانت غزوة الخندق في شوال.

قال: وكان من حديثها أن سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع، وهوذة، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا مكة فدعوا قريشا إلى القتال، وقالوا: إنا نكون معكم حتى نستأصل محمدا. فقالت قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل كتاب وعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد. أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق وفيهم نزل: «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا»، الآيات.

فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا إلى الحرب واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر اليهود حتى جاؤوا غطفان، فدعوهم فوافقوهم.

فخرجت قريش، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة في بني فزارة، [جـ١، صـ١٨٦] 📖 والحارث بن عوف المري في قومه، ومسعود بن زحيلة فيمن تابعه من قومه أشجع. فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم حفر الخندق على المدينة وعمل فيه بيده، وأبطأ عن المسلمين في عمله رجال منافقون، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه.

وكان في حفره أحاديث بلغتني، منها: بلغني أن جابرا كان يحدث أنهم اشتدت عليهم كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله، ثم نضح الماء على الكدية حتى عادت كثيبا.

وحدثني سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، فكانت عندي شويهة، فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير، فصنعت لنا منه خبزا، وذبحت تلك الشاة فشويناها، فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف، وكنا نعمل في الخندق نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فقلت: يا رسول الله إني قد صنعت كذا وكذا، وأحب أن تنصرف معي، وإنما أريد أن ينصرف معي وحده. فلما قلت له ذلك، قال: نعم. ثم أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى، ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.

وحدثني سعيد بن ميناء أنه حدث أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت : أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك، عبد الله بغذائهما. فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي فقال: ما هذا معك؟ قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي وخالي، قال: هاتيه. فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فملأتهما [جـ١، صـ١٨٧] 📖 ثم أمر بثوب فبسط، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمعوا فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.

وحدثني من لا أتهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وعثمان وما بعده: افتحوا ما بدا لكم، والذي نفسي بيده أو نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك.

قال: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما رآني أضرب نزل وأخذ المعول فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب أخرى فلمعت تحته أخرى، ثم ضرب الثالثة فلمعت أخرى. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ قال: أو قد رأيت؟ قلت: نعم. قال: أما الأولى، فإن الله فتح علي بها اليمن، وأما الثانية، فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق.

قال ابن إسحاق: ولما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول من دومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة وغطفان، فنزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد بذنب تعمر إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [جـ١، صـ١٨٨] 📖 صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، فعسكروا هنالك، والخندق بينه وبين القوم. فذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وقد كان وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فلما سمع كعب بحيي أغلق دونه الحصن فأبى أن يفتح له، فناداه: يا كعب افتح لي. قال: إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظه ففتح له فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دومة، وبغطفان على قادتها وسادتها فأنزلتهم بذنب تعمر إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه برعد وبرق ليس فيه شيء، يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب حتى سمح له بأن أعطاه عهدا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب عهده وبرئ مما كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

ولما انتهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة سيدا الأنصار، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان فيه حدة، فقال له ابن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [جـ١، صـ١٨٩] 📖 فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين. فعظم عند ذلك الخوف.

قال الله تعالى: «إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا» الآيات.

وتكلم المنافقون حتى قال معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما صلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك.

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يفعل، بعث إلى السعدين فاستشارهما فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا منه، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطعمون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال: فأنت وذاك. فأخذ سعد الصحيفة فمحاها، ثم قال: ليجهدوا علينا.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحزاب، فلم يكن بينهم قتال إلا فوارس من [جـ١، صـ١٩٠] 📖 قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيؤوا للقتال يا بني كنانة فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. قال: فتيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه بهم في السبخة بين الخندق وسلع.

وخرج علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، فأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارزني؟ فبرز له علي رضي الله عنه، فقال علي: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتهما منه. قال له: أجل. قال له: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي كرم الله وجهه: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه. وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وألقى عكرمة يومئذ رمحه وانهزم. وقال علي رضي الله عنه في ذلك:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه ✱ ونصرت دين محمد بضراب.
نازلته فتركته متجدلا ✱ كالجذع بين دكادك وروابي.
لا تحسبن الله خاذل دينه ✱ ونبيه يا معشر الأحزاب.

وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل، أن عائشة رضي الله عنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربة يرفل بها ويقول: [جـ١، صـ١٩١] 📖

لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ✱ لا بأس بالموت إذا حان الأجل.

فقالت له أمه: الحق أي بني فقد أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل ورماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بينهم وبيننا فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.

وكانت صفية بنت عبد المطلب في فارع - حصن حسان بن ثابت - وكان معها فيه مع النساء والولدان. قالت: فمر بنا يهودي فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة ونقضت وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا. فقالت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: فغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا، احتجزت ثم أخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. [جـ١، صـ١٩٢] 📖

وروى نحوه يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه.

ثم إن نعيم بن مسعود الغطفاني أتى رسول الله فأسلم. وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت يا رسول الله. قال: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت؛ فإن الحرب خدعة.

فأتى قريظة - وكان نديما لهم في الجاهلية - فقال لهم: قد عرفتم ودي إياكم. قالوا: صدقت. قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدروا أن تتحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.

ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموه علي. قالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم. فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا منكم من رجالكم فلا تفعلوا.

ثم خرج فأتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم. [جـ١، صـ١٩٣] 📖

فلما كانت ليلة السبت من شوال، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان، إلى بني قريظة، عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا. فأرسلوا إليهم الجواب أن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك.

فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله لقد حدثكم نعيم بن مسعود بحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ما ندفع إليكم رجلا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.

فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم. وخذل الله بينهم.

فلما أنهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم.

قال: فحدثني يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله أن يكون [جـ١، صـ١٩٤] 📖 رفيقي في الجنة. فما قام أحد من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد. فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي من القيام بد حين دعاني، فقال: يا حذيقة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا يقر لهم قرار ولا نار ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة رضي الله عنه فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال فلان بن فلان ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم».

قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مراحل - وهو ضرب «من وشي اليمن» فسره ابن هشام - فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر.

وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.

قال الله تعالى: «ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا».

وهذا كله من رواية البكائي عن محمد بن إسحاق.

وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رجلا قال لحذيفة: صحبتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركتموه، فذكر الحديث نحو حديث محمد بن كعب، وفي آخره: فجعلت أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان، فجعل يضحك حتى جعلت أنظر إلى أنيابه.

وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر [جـ١، صـ١٩٥] 📖 في رمضان سنة اثنين. ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث. ثم قاتل يوم الخندق، وهو يوم الأحزاب وبني قريظة، في شوال سنة أربع، وكذا قال عروة في حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه. كذا قالا: سنة أربع، وقالا في قصة الخندق إنها كانت بعد أحد بسنتين.

وقال قتادة من رواية شيبان عنه: كان يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين، فهذا هو المقطوع به. وقول موسى وعروة: إنها في سنة أربع وهم بين، ويشبهه قول عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني. فلما كان يوم الخندق عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني» فيحمل قوله على أنه كان قد شرع في أربع عشرة، وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها فلم يعد تلك الزيادة. والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها كثيرا، فتارة يعتدون بالكسر ويعدونه سنة، وتارة يسقطونه. وذهب بعض العلماء إلى ظاهر هذا الحديث وعضدوه بقول موسى بن عقبة وعروة أن الأحزاب في شوال سنة أربع، وذلك مخالف لقول الجماعة، ولما اعترف به موسى وعروة من أن بين أحد والخندق سنتين، والله أعلم.

وقال أبو إسحاق الفزاري، عن حميد، عن أنس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة باردة إلى الخندق، والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق بأيديهم، ولم يكن لهم عبيد: فلما رأى ما بهم من الجوع والنصب قال:

اللهم إن العيش عيش الآخره ✱ فاغفر للأنصار والمهاجره.

فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا ✱ على الجهاد ما بقينا أبدا.

أخرجه البخاري. ولمسلم نحوه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت. [جـ١، صـ١٩٦] 📖

وقال عبد الوارث: حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس نحوه، وزاد قال: ويؤتون بمثل حفنتين شعيرا يصنع لهم بإهالة سنخة وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منكرة فتوضع بين يدي القوم. أخرجه البخاري.

وقال شعبة وغيره: حدثنا أبو إسحاق، سمع البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، وقد وارى التراب بياض إبطه وهو يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ✱ ولا تصدقنا ولا صلينا.
فأنزلن سكينة علينا ✱ وثبت الأقدام إن لاقينا.
إن الألى قد بغوا علينا ✱ وإن أرادوا فتنة أبينا.

رفع بها صوته. أخرجه البخاري.

وعنده أيضا من وجه آخر: ويمد بها صوته.

وقال عبد الواحد بن أيمن المخزومي ، عن أبيه، سمع جابرا يقول: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدانة - وهي الجبل - فقلنا: يا رسول الله، إن كدانة قد عرضت فقال: رشوا عليها. ثم قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل، فقلت للمرأة: هل عندك من شيء؟ وذكر نحو ما تقدم وما سقناه من مغازي ابن إسحاق. أخرجه البخاري.

وقال هوذة بن خليفة: حدثنا عوف الأعرابي، عن ميمون بن أستاذ الزهراني، قال: حدثني البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله [جـ١، صـ١٩٧] 📖 صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله، ثم ضرب الثانية وقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.

وقال الثوري: حدثنا ابن المنكدر، سمعت جابرا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال: «إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير». أخرجه البخاري.

وقال الحسن بن الحسن بن عطية العوفي: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها» قال: كان ذلك يوم أبي سفيان؛ يوم الأحزاب.

«ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة»، قال هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق.

قوله: «ولما رأى المؤمنون الأحزاب» الآية، قال: لأن الله قال لهم في سورة البقرة: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله»، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأول المؤمنون ذلك، ولم يزدهم إلا إيمانا وتسليما.

وقال حماد بن سلمة: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى [جـ١، صـ١٩٨] 📖 رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا، فقال: لا خير في جسده ولا في ثمنه.

وقال الأصمعي: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ضرب الزبير بن العوام يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقده إلى القربوس، فقالوا: ما أجود سيفك، فغضب، يريد إن العمل ليده لا لسيفه.

قال شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم الأحزاب قاعدا على فرضة من فرض الخندق فقال صلى الله عليه وسلم: شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، أو بطونهم. أخرجه مسلم.

وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر، أن عمر يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا والله ما صليتها بعد. فنزلت مع رسول الله أحسبه قال إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى المغرب. متفق عليه.

وقال جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان، فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلت معه وأبليت. فقال: أنت كنت تفعل ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة [جـ١، صـ١٩٩] 📖 مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فائتنا بخبر القوم. فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. فقال ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار. فوضعت سهمي في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته. قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا نومان». أخرجه مسلم.

وقال أبو نعيم: حدثنا يوسف بن عبد الله بن أبي بردة، عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، عن حذيفة: أن الناس تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جاث من البرد فقال: انطلق إلى عسكر الأحزاب. فقلت: والذي بعثك بالحق ما قمت إليك من البرد إلا حياء منك. قال: فانطلق يا ابن اليمان فلا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إلي. فانطلقت إلى عسكرهم، فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، قد تفرق الأحزاب عنه، حتى إذا جلست فيهم، حس أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم، فقال: يأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. قال: فضربت بيدي على الذي عن يميني فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي إلى الذي عن يساري فأخذت بيده. فكنت فيهم هنية. ثم قمت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي، فأومأ إلي بيده أن: ادن، فدنوت. ثم أومأ إلي فدنوت. حتى أسبل علي من الثوب الذي عليه وهو يصلي. فلما فرغ قال: ما الخبر؟ قلت: تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلا في عصبة يوقد النار، قد صب الله عليه من البرد مثل الذي صب علينا، ولكنا نرجو من الله ما لا يرجو. [جـ١، صـ٢٠٠] 📖

وقال عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد الحنفي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم، فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب. وساق الحديث مطولا.

وقال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا ابن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. متفق عليه.

وقال الليث: حدثني المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده. متفق عليه.

وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجلى عنه الأحزاب: الآن نغزوهم ولا يغزونا؛ نسير إليهم. أخرجه البخاري.

وقال خارجة بن مصعب، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: «عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة»، قال: تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، وصار معاوية خال المؤمنين. كذا روى الكلبي وهو متروك. وذهب العلماء في أمهات المؤمنين أن هذا حكم مختص بهن ولا يتعدى التحريم إلى بناتهن ولا إلى إخوتهن ولا أخواتهن.

واستشهد يوم الأحزاب: عبد الله بن سهل بن رافع الأشهلي، تفرد ابن هشام بأنه شهد بدرا. [جـ١، صـ٢٠١] 📖

وأنس بن أوس بن عتيك الأشهلي، والطفيل بن النعمان بن خنساء، وثعلبة بن عنمة؛ كلاهما من بني جشم بن الخزرج.

وكعب بن زيد أحد بني النجار، أصابه سهم غرب، وقد شهد هؤلاء الثلاثة بدرا.

ذكر ابن إسحاق أن هؤلاء الخمسة قتلوا يوم الأحزاب.

وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: قتل من المشركين يوم الخندق: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي؛ أقبل على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله، وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه. فرد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه خبيث الدية لعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته.